انتقل إلى المحتوى
تفسير الأحلام

لماذا نحلم بأحبائنا الراحلين؟

٤ يوليو ٢٠٢٦ · 6 دقيقة قراءة
لماذا نحلم بأحبائنا الراحلين؟

نستيقظ في منتصف الليل ونحن نشعر أن الأم أو الأب أو الجدة كانوا معنا حقًا. حلم كهذا قد يبقى معنا أيامًا طويلة. فمن أين تأتي هذه القربى العجيبة، وماذا يقول العلم عنها؟

دماغ لا يزال يحاول فهم الفقد

من منظور علم النفس، ترتبط الأحلام بالأحبة الراحلين غالبًا وبشكل مباشر بعملية الحزن. تشرح المعالجة المتخصصة في الحزن مارغريت بندرغراس هذا الأمر بوضوح: هذه الأحلام هي طريقة الدماغ لتطويع تجربة فقدان شخص عزيز التي تبدو 'بلا معنى'، وظهورها بحد ذاته يعني أن العقل ما زال يعالج ما مرّ به. هذه فكرة مطمئنة للغاية. فالأمر لا يتعلق برسالة قادمة من عالم آخر، بل بآلية طبيعية للتعامل مع تغيير قلب الحياة اليومية رأسًا على عقب.

يلفت الباحثون الانتباه أيضًا إلى ما يُعرف بفرضية إزالة الحساسية. تفترض هذه الفرضية أن الأحلام عن الراحلين تساعد على التصالح مع الفقد، بحيث تسمح تدريجيًا بتحمّل ما بدا مستحيل الاحتمال. ويضيف باحثون آخرون خيطًا آخر، وهو ما يُسمى بالوظيفة التعويضية. فالحلم يوفر ليلًا ما ينقصنا في اليقظة، أي حضور شخص كان يملأ جزءًا مهمًا من حياتنا. لهذا السبب بالذات، بعد فقدان أحد الوالدين أو الشريك، غالبًا ما تعود في الحلم مشاهد عادية ومنزلية، كعشاء مشترك أو حديث فوق فنجان قهوة أو نزهة سير.

يجدر بالذكر أن أحلام الحزن ليست متجانسة. فهي عادة صور حية وقوية عاطفيًا تظهر بعد فقدان شخص عزيز، بعضها يريح النفس وبعضها الآخر قد يثير القلق. ومن الطبيعي أن يجلب الحلم في ليلة ما راحة، بينما يوقظ في ليلة أخرى قلقًا أو حنينًا.

من أين يأتي إحساس الحضور الحقيقي

يصف كثير من الناس أحلامهم عن الراحلين بأنها استثنائية الوضوح، أكثر تفصيلًا بكثير من الأحلام العادية. يفسر باحثو النوم ذلك بالتغيرات التي تطرأ على مرحلة حركة العين السريعة (REM). فقلة النوم، واضطراب إيقاع اليوم، والتوتر، وبعض الأدوية، يمكن أن تغيّر شدة هذه المرحلة وتجزئتها، مما يؤدي إلى أحلام أكثر كثافة ورسوخًا في الذاكرة، وإلى تسلل حالة الريم بالقرب من لحظة الاستيقاظ، وهي اللحظة التي يكون فيها الإحساس بحضور شخص ما أكثر احتمالًا. هذا التفسير لا ينفي القراءة الروحية أو الشخصية لمثل هذا الحلم، بل يوضح فقط الآلية التي تجعل التجربة بهذا الوضوح والقوة العاطفية.

وفي الخلفية، يعمل أيضًا مفهوم ما يُعرف بالروابط المستمرة. يلاحظ علم نفس الحزن أن الناس يحافظون على نوع من الرابط مع من فقدوهم، وتصبح الأحلام مكانًا طبيعيًا لإعادة التفاوض على هذا الرابط، والبحث فيه عن سلوى أو عن إغلاق لفصل ما. لهذا يظهر الأحبة في الحلم تحديدًا حين نحتاج أكثر ما نحتاج إلى الشعور بأن الرابط معهم لم يختفِ تمامًا برحيلهم.

يذهب بعض الباحثين إلى أبعد من ذلك، مقترحين تفسيرًا تطوريًا. يشير عالم الأعصاب باتريك ماكنمارا إلى أننا نوع اجتماعي بشدة، تشكّل فيه المعاملة بالمثل في العلاقات أساس الحياة الجماعية، والعقل بحاجة إلى تتبع من يدين لمن وبماذا. وعندما يرحل أحدهم، قد لا نتمكن من تسوية هذه الحسابات إلا في الحلم.

أحلام الزيارة، أي أكثر من مجرد حلم عادي

بعض الأحلام عن الراحلين لها طابع خاص، ويسميها الباحثون أحلام الزيارة. وهي واقعية وواضحة إلى حد استثنائي، ولها إحساس جلي بالغاية، ويستيقظ صاحبها بانطباع أن العزيز كان حاضرًا معه حقًا. ومن السمات المميزة أيضًا أن الراحل عادة ما يظهر هادئًا وسعيدًا، حتى لو كانت العلاقة به في حياته صعبة أحيانًا.

الأرقام أيضًا مثيرة للاهتمام. فوفقًا لاستطلاع مركز بيو للأبحاث لعام 2023، المتداول في وسائل الإعلام، يقر 53 بالمئة من البالغين الأمريكيين بأن فردًا راحلًا من العائلة قد زارهم في الحلم أو بشكل آخر. يُظهر هذا أن هذه التجربة أكثر شيوعًا بكثير مما قد يبدو، ولا تعني بحال أي شيء مقلق.

تؤكد الدراسات التي أُجريت على أشخاص في حالة حزن أن هذا النوع من الأحلام كثيرًا ما يساعد فعليًا. فقد أظهر تحليل نُشر في المجلة الأمريكية للرعاية التلطيفية والاستشفاء المنزلي أن الأحلام عن الراحلين تحدث بكثرة، وتكون بالغة الأهمية أحيانًا، وتدعم عملية التعافي بعد الفقد، وتشمل مواضيعها ذكريات مشتركة، وصورة الراحل خاليًا من المرض، ورسالة تُنقل عبر الحلم. وكون هذا الحلم يبقى طويلًا في الذاكرة لا يستدعي بالضرورة القلق، بل قد يكون ببساطة علامة على مدى ما كان يعنيه لنا هذا الشخص.

كيف نتصالح مع هذه الأحلام في حياتنا اليومية

يختلف تكرار الأحلام عن الراحلين ويعتمد على عوامل كثيرة. لاحظ الباحث في مجال الحزن جوشوا بلاك علاقة قد تبدو مفاجئة. فأبحاثه تُظهر أن مدى تذكّر الأحلام عمومًا هو العامل الأقوى تأثيرًا في ما إذا كان الشخص يبلّغ عن أحلام حزن أم لا، فإذا كنا نادرًا ما نتذكر أحلامنا، فهذا لا يعني بالضرورة أننا لا نحلم بها. بعبارة أخرى، عدم تذكّر حلم عن شخص عزيز لا يدل على غياب الرابط معه، ولا على أننا نسيناه.

من الطرق الجيدة للتصالح مع هذه التجارب تدوينها. يشير المعالجون إلى أن الاحتفاظ بدفتر للأحلام كثيرًا ما يعتمد على الرسم، لأن الأحلام في معظمها بصرية، وإن كان بالإمكان أيضًا تدوين السرد، مع تسجيل تفاصيل صغيرة، والمشاعر بعد الاستيقاظ، وسياق ما كان يجري في الحياة في تلك اللحظة. تساعد هذه الممارسة على ملاحظة أن الحلم ليس صورة عشوائية، بل جزء من قصة أكبر وأكثر شخصية للحزن.

لا يُنصح أيضًا بانتظار تفسير جاهز واحد. يؤكد علماء النفس المختصون في الحزن أن العمل مع الحلم لا يقوم على اللجوء إلى صيغ تفسيرية جاهزة، بل على البقاء في حالة من عدم المعرفة، والسماح لشيء أعمق أن يجد طريقه للتعبير، سواء اعتبرنا الحلم رمزًا داخليًا أو زيارة حقيقية من العزيز. أحيانًا، الأهم ببساطة هو أن نسمح لأنفسنا بأن نشعر بما يحمله هذا الحلم.

شارك:

اطّلع أيضًا

أسئلة شائعة

هل الحلم بشخص راحل يعني أنه يريد أن يخبرني بشيء؟

من وجهة نظر علم النفس، يعكس هذا الحلم غالبًا حاجتنا الخاصة إلى القرب أو الإغلاق أو معالجة المشاعر، أكثر مما يمثل رسالة فعلية من الراحل. يؤكد المعالجون أنه إذا كان الشخص الراحل في الحلم غاضبًا منا، فهذا ينبع غالبًا من مشاعرنا الخاصة غير المعالَجة أكثر مما ينبع من روحه.

لماذا أحلم بالراحل الآن فقط، بعد سنوات؟

قد تعود الأحلام عن الأحبة في لحظات مختلفة من الحياة، غالبًا مع الذكرى السنوية أو التغيرات الحياتية أو زيادة التوتر. ووقت ظهورها وتكرارها يعتمد على مرحلة الحزن، والعلاقة بالراحل، والسمات الفردية لنوم كل شخص.

ما الفرق بين الحلم العادي عن راحل وحلم الزيارة؟

تتميز أحلام الزيارة بوضوح استثنائي وإحساس بتواصل حقيقي. فهي واضحة ومفصّلة إلى حد بعيد، وقد تُشعَر وكأنها أحداث واقعية تقريبًا، في حين تميل الأحلام العادية عن الراحلين إلى أن تكون أكثر تشوشًا وضبابية.

هل يجب أن أقلق إذا كان الحلم عن الراحل مزعجًا؟

الأحلام المزعجة بعد الفقد شائعة، خاصة بُعيد وفاة شخص عزيز أو حين يكون الرحيل مفاجئًا. وإذا كانت هذه الأحلام تعطّل النوم أو سير الحياة اليومية بانتظام، فمن المفيد التحدث مع مختص نفسي في مجال الحزن يساعد على التصالح معها.

المصادر

اقرأ أيضًا